لا أعبد ما تعبدون !
معـارك السيـاسة, ما كتبته بدموعى Comments Off(1) لا أعبد ما تعبدون .
مع تكرار الحديث حول أن حماس وقعت في الفخ وانجرت نحو المشاركة في العملية السياسية ، أتذكر ما كتبه صديقي محمد سعد حميدة بعنوان : يا أيها المحللون : لا أعبد ما تعبدون .
إن رؤية كل حوادث الكون على أنها نتيجة مخططة سلفا ما هو إلا تعبير بالغ الصراحة وبالغ الخطورة عن انهزامية فادحة لا تتوقع أن إله الكون - أمريكا - يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض .. وكأنما كل الناس ليسوا أكثر من أحجار على رقعة الشطرنج ، وكأنما كل الحوادث وكل نتائجها لا تصب إلا في مصلحة المخطط الأمريكي .
يا أيها المحللون : إن أمريكا تنهزم الآن في العراق ، وتتلاشى - إلى الأبد - صورة الجندي الأمريكي التي سوقتها لنا الأفلام الأمريكية .. كما انهزمت في فيتنام وكما انسحبت من الصومال وكما خرجت من لبنان .. إنها مجموعة من البشر لا أكثر ، يجري عليها ما يجري على البشر من أحكام الضعف والسهو والخطأ .
لم تكن أمريكا ولا غيرها يتوقع أن تكتسح حماس الانتخابات في فلسطين ، ولو توقعوها لما فعلوها أبدا .. لكن قد يكون مفهوما أن تخطط أمريكا لاستدراج حماس لفخ السياسة وذلك بعد أن فازت حماس بالفعل وليس قبل ذلك .. لكنها أيضا فشلت .
حماس - لو نسينا كل ما فعلت - لم تكن أبدا عثرة في طريق القضية الفلسطينية .. فالقضية منذ عام 47 وهي في تراجع لا تتقدم ، بفعل عمالات وخيانات الحثالات العربية الحاكمة .. وحماس - برغم كل شئ - لم تعرقل مسار التسوية الذي كان هو الآخر - دوما - في تراجع ولا يتقدم ، ولذا فليس أحد في حاجة لاستدراج حماس في فخ كي يواصل طريقه في حل القضية .
ربما العكس هو ما حدث .. إن مسار التسوية هو الذي استفاد من تضحيات المقاومة ، ولولا انتفاضة الحجارة لما فكر أحد فيأن يعطي عرفات سلطة لا حقيقية ولا شكلية ، ولولا سطور الملاحم الأسطورية التي أبدعتها المقاومة مااهتم أحد لا في العالم العربي ولا الإسلامي بأن يقدم مليما واحدا دعما للقضية ، ولولا المقاومة ما تحررت غزة التي سيكتب التاريخ انتصارها في سجل كل الشعب الفلسطيني ، ولولا المقاومة ما انهار مشروع إسرائيل الكبرى الذي انهار - حقا - بأول لبنة في جدار الفصل العنصري .
ورغم أن عرفات ثم أبو مازن ومن حولهما لم يكن واحد منهم ليعتلي كرسيا واحدا إلا لأن المقاومة هي من صنعت واقع أن يكون هناك شعب يسمى الشعب الفلسطيني ويطالب بأرضه الفلسطينية .. فأُتي بهم لكي يقوموا بدورهم في تصفية القضية عبر نفق لا يبدو له نهاية يسمى ” التسوية والسلام ” ، برغم هذا فإنه لم يكن لهم هم إلا سحق هذه المقاومة انتظارا لأن يحصلوا على التسوية .. وهذا نوع غريب من البلاهة والسفاهة لا أدري كيف يمكن لعاقل أن يتوهمه .
إلى أن وصلنا الآن لوضع غريب غاية الغرابة .. الوضع الذي تحمي فيه إسرائيل السلطة الفلسطينية ، وتسعى معها لكي تذبح هذه المقاومة .
لو وسعنا دائرة النظر قليلا .. لرأينا نفس المشهد على مستوى دول الطوق : إن إسرائيل هي من تحرص على سلطة بشار الأسد في سوريا حتى لا تنفتح في حدودها مثلما انفتح في حدود العراق .. كذلك هي أحرص على بقاء سلطة مبارك وعبد الله بم الحسين وفؤاد السنيورة لأنها تعلم قبل غيرها أنهم الضمانة الكبرى التي تحمي إسرائيل من شعوب تلتهب شوقا إلى المقاومة .
إذن .. لا حماس وقعت في فخ ، ولا أمريكا يمكنها أن تخاطر لحظة فتجرب أي فخ مع الشعوب في مصر والأردن وسوريا ولبنان جريا وراء توهم يقول بأن السلطة ستعدل وترشد وتهذب حماسة حركات المقاومة .. إنما الحقيقة هي : أن أمريكا ليست بإله .
ياأيها المحللون : لا أعبد ما تعبدون .
(2) و لماذا تتمسك بحقك ؟
بعض العملاء من كلاب أمريكا والحكام العرب في الصحافة والإعلام يبدون دهشة وكأنما براءة الأطفال في أعينهم : لماذا تصر حماس على التمسك بالسلطة ؟
هذا الطرح أيضا رصدت أن بعض الشرفاء يطرحونه - ولكنهم قليل جدا - ربما بعضهم تأثر بموجة الإعلام العميل .
كنت أظن أن الطبيعي والذي من المفترض أن يكون مفهوما لجميع الناس أن التيار الذي فاز في انتخابات حرة له الحق في أن يعتلي السلطة وينفذ فيها برنامجه ، وأن يعطى فرصته الطبيعية ثم تكون نفس صناديق الانتخاب هي من يحكم على تجربته في الانتخابات المقبلة .. لم أكن أدري أن عقولا تنادي على الفائز في انتخابات حرة تطالبه بترك السلطة لأن مجموعة فاسدة تثير فلتانا أمنيا .
أليس من حق حماس الطبيعي والمنطقي ألا تترك السلطة إلا برغية الشعب الذي رغب قبل ذلك في أن تحكمه ؟؟ أليس هذا حق لها يجب عليها أن تتمسك به وتدافع عنه بل وتحارب من أجله ؟؟؟
هل المطلوب من حماس أن تقول : فلتذهب الانتخابات إلى الجحيم طالما أنها لم تعجب أخونا العميل محمد دحلان ، ولهذا فنحن نتازل عن كراسينا حفظا لخاطر الأخ دحلان والأخ عباس وباقي الإخوة ؟
هل سيكون مفهوما أن تتنازل حماس عن السلطة فتضرب برغبة ذلك الشعب عرض الحائط ، لا لشئ إلا لأن عباس ودحلان وأتباعهما لا يريدون التفريط في كرسي اغتصبوه قهرا ؟
ربما حماس مطالبة باعتذار تعلن فيه أن تلك الانتخابات وقفت عائقا في طريق تصفية القضية فتجري قائلة : تفضل ياعباس ويادحلان السلطة وواصلوا تصفية القضية ، وسنخلي لكم الطريق كي تعملون على إنهاء القضية كما يحلو لكم .. هل لو فعلت حماس ذلك وعادت إلى صف الشعب والمقاومة ستنجو من أجهزة أمن عباس ؟؟
إن المدهش الآن أن الكاتب لا يكتب في تفاصيل قضايا فكرية أو ثقافية أو سياسية تحتمل الموازنة والترجيح والتفصيل .. بل يكتب في صلب الحقائق الواضحة ، ويطرح الأسئلة البديهية المنطقية .. وتكاد تكون الكتابة في هذا النوع شيئا من المستحيل كأنما تحاول إثبات الشمس أو توضيح النهار أو إظهار النور .
والسؤال البديهي الآن : أليس من حق حماس الطبيعي أن تأخذ حقها في ممارسة السلطة حتى أربع سنوات قادمة ؟؟
فإذا كان المنطق يقول : نعم .. فلم تبدو تلك البراءة المصطنعة والتي يحملها سؤال خبيث : لماذا تتمسك حماس بالسلطة ؟؟
(3) سلم الديمقراطية الذي يمتطيه الإسلاميون !
عندما بدأ عباس شلال مراسيمه الخرقاء .. ظننت انتهاء وموت الخرافة القائلة بأن الديمقراطية سلم يصعده الإسلاميون حتى إذا وصلوا للحكم ألقوه فلا يصعد له أحد بعدهم .
لكن يبدو أني كنت أنا الأخرق .. فلم أقدر أن إعلامنا الرسمي وكتاب المارينز قد نزفوا ما بهم من خجل منذ أن دخلوا الحظيرة .
من المفيد أن أذكر هنا كلمة ديفيد ورامرز حول ” اصطبل ” الإعلام العربي المفيد في تنفيذ المشروع الأمريكي ، قال : ” من ضمن خطتنا في المنطقة لابد أن ننتبه للإعلام الإعلاميون العرب كلهم أعداء وكلهم ضد السامية وكلهم يمكن أن يشكلوا معسكر الخصم لكن لابد أن نجد إسطبلا من الإعلاميين العرب يشبه سفينة نوح الأحصنة في هذا الإسطبل وظيفتهم أن يقولوا دائما إن سوريا وإيران هما المشكلة أما الحمير فهم من يصدقوننا بأننا نريد الديمقراطية أما حظيرة الخنازير الذين يقتاتون على فضلاتنا فمهمتهم كلما أعددنا مؤامرة أن يقولوا أين هي المؤامرة ” ( هذا الكلام نقلا عن ناصر قنديل في حلقة الاتجاه المعاكس 3/7 )
(4) الحوار مع عباس
منذ انتهت أحداث غزة ، حماس تطالب بالحوار ، وعباس يرفض الحوار مع حماس رفضا وكأنما يهرب من الكفر أو النار .
عباس وعصابات فتح مارسوا من الأعمال والتصرفات ما يجب أن نتوقف عنده كثيرا ونتأمل فيه طويلا .. لم يُستثن من هذه التصرفات أي مستوى : القانوني والإعلامي والسياسي وكذلك الميداني .
ربما الآن يجب أن تسأل حماس نفسها عن جدوى الحوار مع شخصية تملك كل هذه الحقارة والوضاعة كعباس ، وهل حوار مع طرف كهذا يمكن أن يكتب له النجاح ؟؟
خصوصا بعد تجربة فشل الحوارات السابقة لأحداث غزة حتى ثبت أن السيف أصدق أنباءا من الكتب ، ثم تم اكتشاف أنه كان يحاور من جهة ويأمر مخابراته بقتل كل من يحمل صاروخا من جهة أخرى .
(5) قوم بهت !
روى ابن إسحاق في السيرة عن أمنا أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب - وكان زعيم اليهود - أنها قالت : كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة غدوا عليه ثم جاءا من العشى، فسمعت عمي يقول لأبي أهو هو؟ قال: نعم والله، قال أتعرفه وتثبته قال نعم، قال فما في نفسك منه قال: عداوته والله ما بقيت . ( هذا مختصر ، وانظرها في السيرة لابن هشام ، الروض الأنف للسهيلي ) .
منذ بدأت انتفاضة الأقصى ، وهذا الموقف هو أكثر ما مثل أمام عيني في فهم نفسية اليهود ، المحير أن الرجل يعرف أن محمدا هذا هو النبي ، ويعرف صدقه ، ويؤمن أنه النبي المرسل وأن من اتبعه دخل الجنة ، وأن مصير من خالفه وحاربه إلى الجحيم ، ثم هو رغم كل ذلك يصمم على أن يعاديه دائما أبدا ، وأوفى بوعده فعلا حتى قتل في غزوة خيبر ( المحرم عام7 هـ ) ، وقتل وهو يقول : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخذل .
فهو حتى عند موته يعترف بأنه كان يخذل الله ، لكن المدهش أنه لا يلوم نفسه .
تذكرت كل تلك المواقف بعد أحداث غزة ، ترى كم من السياسيين والإعلاميين والكتاب يعرفون الحق ثم يتخذون نحوه نفس هذا الموقف ؟؟




Recent Comments