الفتى الذهبي المعضوض..
قصص نصف حقيقية Comments Off
إهداءان:
- إلى حمود الذي دفعني -بتدليله التدويني مؤخرًا- لاستعادة قلمي القصاص.
- إلى طاهر الذي حكى لي الجزء الحقيقي من تلك القصة.
* * *
حين أقول أنه “أشرق عليّ” من باب الحجرة.. فهذا ليس تشبيهًا محضًا بالتأكيد..
فضوء الشمس الملول الذي يدخل -تفضلاً- العيادة المدرسية التي أعمل بها ينتفض اهتمامًا حين يقع على كل هذا الذهب في الشعر.. وفي العينين !
كانت مرّتي الأولى والأخيرة لرؤية عينين ذهبيتين حين جاء أَنَس ليثير الحسد والحسرة في فصول الصف الثالث الابتدائي جميعها.. ولم أكن أخفي انبهاري الطفولي بلون عينيه الغريب حين يأتي للعيادة مضمدًا جرحًا أو سائلاً بعض الثلج لكدمة.. وكان فخر الأطفال بإثارة اهتمام وإعجاب الكبار يغمره كل مرة حتى صار يأتيني في كثير من الأحيان بغير علة غير رؤيتي والتحدث إليّ..
في ذلك اليوم لاحظت كسوفًا جزئيًا.. ولأول مرة سألني:
- ” دكتورة.. ممكن أتفرج على الحاجات اللي تحت الإزاز قدامك دي ؟ ”
لم يكن استغرابي من السؤال قدر ما كان استغرابي من رد فعله عندما وافقت على طلبه.. فرغم إمكانية رؤية ما أراد من مكانه على الكرسي المقابل لمكتبي، إلا أنه قام وجاء ليجلس على حجري ويشرع في تأمل الصور الملونة تحت زجاج مكتبي كأن هذا هو المكان الطبيعي للمشاهدة ! ابتسمت للموقف رغم كل شيء وأخذت أجيب عن سيل أسئلته المعتادة لأي طفل عامل المخ..
” ده حرف F وده حرف e مش كدة ؟…
Fe يعني حديد ؟…
يعني أنا جوايا مسامير؟ ”
كنت أحاول جهدي تبسيط الأمر بالنسبة له وإقناعه بالعامل المشترك بين دمه والمسامير والسفن.. بغض النظر عن فحوى الورقة التي رآها أصلاً..
كانت واحدة من الأوراق الصغيرة التي كتبت عليها بعض القواعد الطبية التي جمعتها طوال سنين دراستي الطبية تحت عنوان “حاجات تودّي في داهية”، استخلصت منها ما يمكن التعرض له في عملي في هذه العيادة المدرسية واستغللت أوقات فراغي العيادية -وما أقلها في مدرسة صبيان- في تلوين كل ورقة ببعض الألوان التي استعرتها من فتى متشرد دائم الإقامة في العيادة..
كانت الورقة التي أثارت اهتمامه تحوي قاعدة شهيرة في علاج الأنيميا بالحديد، وهي أن حقن الحديد واحدة من أشد الحقن إيلامًا على الإطلاق، ولا يجب أن تعطى إلا حال عدم التمكن من إعطائه كأقراص.
لاحظت بعين غريزية أن قميصه مفتوح الأزرار أكثر من المعتاد رغم أن الجو بارد بعض الشيء، فهممت -في لوم- بإقفال أزراره حين استوقفني لأنه..
- ” لأ.. بتوجعني..”
وقبل أن أسأله عنها التي توجعه دققت النظر فيما ظننت -من النظرة السطحية- أنها شامة أو وحمة.. لأجد أنها إصابة حديثة.. عضة حديثة للدقة !
كنت قد سلّمت مؤخرًا بحقيقة أن هناك أولادًا قليلي التربية يعضون ويبصقون على زمائلهم، ولكن منظر تلك العضة بالذات أثار شفقتي كثيرًا وجعلني أحاول مداعبته قائلة:
- ” قوللي بس مين اللي عضك كدة وأنا أعضهولك..”
فنظر لي في صمت للحظة.. ثم عاد لتأمل زجاج المكتب قائلاً:
- ” مش هتعرفي تعضيه.. ده أكبر منك أوي..”
فضيّقت عينيي باستهجان وقلت:
- ” يا سلام.. مين بقى ده اللي أكبر مني أوي ومعرفش أعضه ؟ ”
فقال لي في خفوت كأنما يخشى أن يسمعه أحد غيري :
- ” مستر سعد.. ”
اتسعت عيناي في ذهول.. وقلت في حذر متمنية أن يكون الأمر مجرد سوء تعبير أو مبالغة منه:
- ” مستر سعد عضك ؟! ”
- ” آه..”
- ” إزاي وامتى وليه ؟! “
- كنا قاعدين في الدرس اللي عندي في البيت وكان معاه الإزازة اللي ريحتها وحشة دي وعمال يزعق، ولما معرفتش أجاوب سؤال عضني..”
- ” وماما كانت فين ؟ ومقلتلهاش ليه ؟ “
- ماما كانت في الشغل.. ولما رجعت قلتلها ومصدقتنيش وافتكرت إن واحد من صحابي هو اللي عضني عشان الكبار مش بيعضو زي ما هي بتقول..”
كنت أفهم -لا أتفهّم- وجهة نظر الأم لأن الشائع في الاعتداء الجسدي على الأطفال يتراوح ما بين الضرب بالمساطر والأحزمة وحتى الاغتصاب.. ولكني لم أسمع -حتى الآن- عن اعتداء بالغ على طفل بالعض !
وإن كان موضوع “الإزازة اللي ريحتها وحشة” يفسر الأمر نوعًا..
نظرت لأنس الصغير ومسحت رأسه بيدي ثوابًا.. ذلك المسكين ذو الأب في العالم الآخر والأم في وادٍ آخر.. ثم فكرت في شيء جعلني أستأذنه في القيام قليلاً..
ذهبت إلى دولاب مجاور وأحضرت له نموذجين أبلهين جاءانا من الوزارة في إطار “تكنولوجيا التعليم”.. واحد لفم وأسنان بالغ والآخر لطفل.. أعطيتهما للفتى الذي أخذهما فرحًا على محمل اللعبة.. وخططت شيئًا على ورقة أعطيتها له وقلت :
- ” تدّي الطقمين دول لماما مع الورقة دي.. وتخلليها تكلمني في التليفون ضروري..”
- ” بس ماما معندهاش وقت تلعب معايا.. هتلعب بدول ؟! “
- ” لأ صدقني لما تقرا الورقة دي هتلاقيلهم وقت.. تعالى انتا بقى لما أرشّلك حاجة عشان الوجع ده..”
فسسسسس..
* * *
في صباح اليوم التالي جاءني السيد سعد محمولاً بقرف..
عم عطية بواب المدرسة جاء به ورماه رميًا على سرير المرضى عندي وبصق عليه تقريبًا بأعتى قرف ممكن.. ولما رآني منكمشة أمام كل هذا العنف قال لي :
- ” ابن الـ(…).. مش عارف يبطل الهباب ده حتى وهو جاي المدرس يعلم العيال..”
نظرت للرجل فوجدته متموج الوعي مع حالة من الإيفوريا - وهو الاسم العلمي المحترم للمزاج العالي- واضحة جدًا.. ولم أكن قد شممت رائحة الخمر من قبل ولكن خبثها أشار إليها هنا..
أشرت للرجل بالانصراف راحمة بأذني من كم الكلمات البذيئة التي أخذ يصف بها المدرس وإدارة المدرسة والزمن و…
نظرت للرجل الراقد الذي لا يراني تقريبًا..
ثم قمت وواربت الباب.. والتقطت علبة المخدر الموضعي إياها التي رششت عضة أنس بها بالأمس.. تأكدت من إحدى أوراقي الملونة من انطباق تلك القاعدة الدوائية الشهيرة عليه.. ” سريع المفعول = قصير المدى “..
فسسسسسس…
* * *
ثم…
* * *
ثم استيقظ الرجل بعد فترة -محسوبة بدقة إلهية- مفتشًا عن مصدر الألم مشوّشًا..
وكنت أفرغ خليط الماء والمطهر الفموي من فمي في الحوض الصغير وأجفف أسناني بيد وباليد الأخرى أمسك بالحقنة.. وقبل أن يفهم أي شيء قلت له :
- ” حضرتك وشك شاحب جدًا يا مستر سعد.. واضح إن من كتر الأنيميا أغمى عليك.. فالحل السريع هو حقنة الـ..”
ثم دسستها في ذراعه ليصرخ من الألم وأكملت:
- ” الحديد.. انتا عارف طبعًا إن الحقن مفعولها أسرع من الأقراص..”
نظر لموضع الحقن نظرة من أطار الألم صوابه وقال:
- ” إيه ده ؟! مين اللي عمل فيا كدة ؟! ”
- ” دي عضة حضرتك.. وعضة حديثة كمان.. في تقديري إنها ممكن تكون في آخر 7 ساعات.. هو حضرتك كنت في حتة قبل ما تيجي المدرسة فيها حيوانات بتعض ولا حاجة ؟! “
فشرد فكره كأنه يجري مسحًا على “الأشخاص” الذين كان معهم قبل مجيئه للمدرسة.. ولكني قطعت عليه الطريق قبل أن يصل للأشخاص الذين في المدرسة وقلت بكل براءة وإخلاص:
- ” تحب حضرتك أبلغ الناظر بموضوع العضة ده عشان يتخذ أي إجراءات؟ ”
فسارع بالنفي.. ونظر لمكان العضة مرة أخرى وبدت واضحة عليه المعاناة بحق..
تلك المعاناة التي تقبلتها لأول مرة في تاريخي الطبي بأبرد ما يمكن..
لو وجدتَ هذه القصة في مجموعة قصصية مطبوعة.. هل تستحق أن تشتري المجموعة؟
Recent Comments