على حوائط غزة نكتب ونرسم .
لمسات الفـن Comments Offعلى حوائط غزة نكتب : حماس ، ونرسم هنية .
( اضغط للتكبير )
انظر : إلى كل المنادين بالحرية .
بانر صغير يؤدي إلى موضوع يرصد كتابات المدونين
على حوائط غزة نكتب : حماس ، ونرسم هنية .
( اضغط للتكبير )
انظر : إلى كل المنادين بالحرية .
بانر صغير يؤدي إلى موضوع يرصد كتابات المدونين
منذ يومين فتحت الماسنجر ، فوجدت صديقي العزيز الشيخ محمود ( الشيخ زورو سابقا ) يصرخ في الماسنجر : ملعون أبو الغباء عشروميت مرة ..!!
ولأنني أعرف محمودا ، فلم يكن من الصعب عليّ تخيل ملامح وجهه الطيبة إذ يجتاحه الغضب ، فكيف إذ أوصله الغضب إلى لعن الغباء .. لا مرة ولا مرتين ، بل “عشروميت ” مرة .
وبعيدا عن الدخول في التأصيل اللغوي للفظ “عشروميت” والذي أدخله الشباب المصري إلى قاموس اللغة فصار معربا ، واصله مصري شوارعي .. فلقد مستني صرخة محمود لأندفع اسأله : ما حدث ؟
والحاصل أن شيخنا الأزهري دخل في حوار زعتري حول البدعة .. فمالبث أن خرجت منه هذه الصرخة ، وهي الصرخة التي ولدت فيما بعدت قصيدة شجية مشحونة بالألم ، مكنوزة بالبكاء .
كان الشيخ محمود يكلمني إذ يؤلف القصيدة :
هَتَّانَةً من دموعي اليوم أظهرها …. ولوعة من صميم القلب أبديها
على خلافاتنا في فرع مسألة …. لا يسمن العقل حتى كل ما فيها
مقولة في قديم الدهر قد صدقت …. أن الحماقة أعيت من يداويها
فالفهم صعب على تفكير حاملها …. والعلم وعر على أفهام أهليها
سلسة و رائعة ياشيخ محمود ، هذا تعليقي الأول ..
أخبرني أنه يريد أن يكملها ولم تأته القريحة ، فأهاج علىّ ذكرياتي مع الشعر ..
الشعر الذي يبدو لي كالقمر أعشفه ولا أتناوله ، أو كما قال ابن القيم في الذي يطلق البصر ” يرى مالا صبر له عليه ، ولا طاقة له بالوصول إليه ” .. أعشقه حتى الذوبان ، كأنما اتلاشى في قصيدة شاعر فحل .. لكن ما حيلتي :
ما حيلتي والشعر فيض خواطري …. إن كنت أبغيه ولا يبغيني
منذ عشر سنوات وبعد أن حفظت كثيرا من الشعر ، قررت أن أدرس الوزن وبحور الشعر ، ثم تيقنت أني لم أخلق لهذا ، فكل ميسر لما خلق له .. واكتفيت من ذلك الحين بالتذوق وفقط ..
كان ذلك ما أخبرت به محمودا ، فقال لي : هناك شطر لا أجيد تكملته ، وكتب :
فالقوم في غيبة عن كل واضحة ……
ووجدتني أكمل بتلقائية لم أتوقعها لنفسي : …. والعقل في حقبة قد مات من فيها
وما ظننت لحظة أنها ستعجبه ولا أنه سيقبلها ، وهو شاعر جميل عذب الشعر ، وكنت قد وضعتها مزاحا أو من قبيل المجاراة ، كالطفل مثلا حين يستعرض عضلاته أمام بطل موحيا بأنه بنفس القوة ، يستلهم نفس البطل ويدرك أنه يمزح .. المدهش في الموضوع أن محمودا قبلها ، واستضافها في قصيدته .
ثم أكملها بأبيات أخرى ..
اقرأ الآن القصيدة .. وكأنما ليس فيها إلا شطري ، إني أتعجب من جماله وروعته !!
ثم اقرأها بعين أخرى ، فأحسب أنها لو خلت من هذا الشطر لاستقامت ، كأنما جدار مائل في بيت منتصب !!
ومابين عين وعين .. يراها القراء ، كل مافي الأمر أني لما اقرأها ينصرف عقلي إلى شطري ، أما الناس فينصرفون إلى معنى القصيدة .. وكل يغني على ليلاه .
تلك ذكرياتي أنا .. أما أنتم قتذكروا أنها كتبت بعد حوار حول البدعة ، تنعي على فئة تحجر فكرهم .
هَتَّانَةً من دموعي اليوم أظهرها …. ولوعة من صميم القلب أبديها
على خلافاتنا في فرع مسألة …. لا يسمن العقل إلمامٌ بما فيها
مقولة في قديم الدهر قد صدقت …. أن الحماقة أعيت من يداويها
فالفهم صعب على تفكير حاملها …. والعلم وعر على أفهام أهليها
والجهل تلحظه باد بجثتهم …. يسيل من رأسها حتى خماصيها
يناطحون الحقيقة تركلها حوافرهم …. كالبدن تنطح من أعلى صياصيها
فالقوم في غيبة عن كل واضحة …. والعقل في حقبة قد مات من فيها
** من فرحتي استطعت الحصول على حقوق البث الأول حصريا على مدونتي .
6/6/2007
منيت نفسي بمشاهدة فيلم يحمل فكرة أو هدفا ، أو على الأقل يصف الواقع كما هو .. كما توقعت في ( بشائر سينمائية ) ، لكنني خرجت من قاعة العرض مصدوما بالكامل من البلاهة منقطعة النظير والمثيل التي حاول أن يقنعنا بها فيلم ( أنا مش معاهم ) .
ولم يك شيئا جيدا على الإطلاق أن يكون هذا الفيلم بكل ما فيه من بلاهة وتفاهة وسطحية ، هو الفيلم التالي لأحمد عيد بعد فيلم قوي وواقعي كـ ( ليلة سقوط بغداد ) .. أحسست كثيرا كأني في أوائل أو أواسط التسعينات أشاهد فيلما لوحيد حامد عن الإرهابي الذي يجسده عادل إمام باللحية الكثة النافرة والأفعال البلهاء الساذجة وعشق الدم .. وقد كنت أحسب أن هذه الصورة عن الإسلاميين والجماعات الإسلامية قد انتهت على الأقل من شاشة السينما ، وصار تناولها أكثر موضوعية أو على الأقل أكثر عمقا ومنطقية .
السيناريو كما هو مكتبو على تتر الفيلم للدكتور فيصل عبد الصمد ، إلا أن أحمد عيد صرح للدستور في حوار منذ فترة بأنه يعتبر كاتب 70% من الفيلم .. أيا كان الكاتب ، فالفيلم يستحق التبرؤ منه لا التمسك به .
ملخص القصة :
عمرو ( أحمد عيد ) شاب بكلية الطب يقضي العام مع شلة فاسدة في الخمر والحشيش والليالي الحمراء ، لكنه كثيرا ما يرى فتاة محجبة تعجبه ويتعلق نظره بها ، تشاء له الصدفة أن يدخل الامتحان العملي مع لجنة المعتقلين ( لا تحرجني بالسؤال : كيف ) ، وفي اللجنة يحمله قائد المعتقلين رسالة يوصلها إلى أمه ( لا تسأل أيضا كيف استطاع هذا في لجنة امتحان وللمعتقلين ) وعند الخروج يتبادل قائد المعتقلين واسمه يوسف أبو منصور مع عمرو عبارات التحية و : ” لا تنسى يا أخ عمرو المهمة التي كلفتك بها ” .. ولأن أعضاء الجماعة ساذجون دائما سيتخيلون أن عمرو من القيادات التنظيمية السرية الكبرى التي لها علاقة بالأخ يوسف أبو منصور وبدون أدنى تردد سيعاملونه على هذا الأساس .. و نفس هذا الظن يتوقعه مخبر أمن الدولة في الجامعة فيكتب تقريرا وافيا عن عمرو يحكي أنه قيادة تنظيمية كبرى ومؤثرة .
يذهب عمرو - الذي لم يحلق لحيته لانشغاله بجلسات الخمر والحشيش والزنا - ليوصل رسالة أبو منصور إلى أمه ، فيجد للصدفة ( لا تحاول أن تعد مواقف الصدفة في الفيلم ) البنت التي تشغله ” فرح ” ( بشرى طبعا - ) ، ويبدأ الاقتراب منها حيث ستظنه هي الأخرى من القيادات الإسلامية الكبرى في الجامعة .
اليوم التالي وفي مظاهرة تندلع فجأة ينقض اثنان على عمرو ليرفعاه على الأعناق ، فقد اكتشف الطلاب الإسلاميون بالأمس أنه قيادة ” سرية ” كبرى ، ويبدو أنهم قرروا نسف خطة الجماعة بالإبقاء على ” سرية ” القائد فرفعوه على الأعناق ، وعلى الجانب الآخر كانت فرح مرفوعة على أعناق البنات وتمارس الهتاف أيضا ( هل رأى أحدكم منظرا كهذا في الواقع ؟؟ ) ولابد طبعا - لا تنسوا أننا نشاهد فيلما عربيا - من اصطدام المظاهرة بالأمن ودون أية دواعي معروفة ويتلقى عمرو خبطة عصا على رأسه دفاعا عن محبوبته فرح .. كم سيهزها هذا الموقف .
في اليوم التالي يقترح أحد طلاب الجماعة تشكيل وفد من الإخوة والأخوات ( واقعية ع الآخر ) ليذهبوا إلى الاطمئنان على صحة الزعيم ، لم يذهب من الأخوات إلا فرح وأخرى غير محجبة ( مفيش واقعية أكتر من كدة ) .
في اليوم الثالث يتردد عمرو في أن يبوح لفرح بإعجابه بها .. ويفاجأ بأن الطلاب قد أمسكوا بشاب وانهالوا عليه ضربا مميتا .. لماذا ؟ لأنه قال لإحدى الأخوات - جهرة وعلى الملأ - : ” أنا معجب بيكي ، فانهارت الأخت في البكاء ، وقام الإخوة بواجب الضرب خير قيام ( لا تتعجب .. ذلك مشهد يحالو الفيلم أن يقول إنه واقعي ) !
في اليوم الرابع يتقدم عمرو لخطبة فرح التي لن تتردد في الموافقة على الزعيم ، ورغم عائلة فرح المتحررة جدا ( خمور ولوحات عارية وخادمات عاريات .. والدها مخمور وأمها ترتدي السوارية وأخوها روش عاشق للموسيقى لا يقارق الجيتار ) إلا أنهم وافقوا ببساطة على الخطوبة .. الخطوبة التي أقيمت في قاعتان أحدهما إسلامية ، والأخرى يغني فيها عمرو دياب ونانسي عجرم وهيفاء .. واستطاعت القاعة الأخرى أن تسحب الإسلاميين من القاعة الأولى حتى كادت تسحب العريس نفسه الذي انطلق نحو القاعة الأخرى بمجرد أن أعلن خبر وصول هيفاء وهبي ( إسلاميين متحررين .. أضفه إلى المشاهد الواقعية التي يزخر بها الفيلم ) .
يتزايد الضيق لدى عمرو من فرح التي ترفض الخروج ، وترفض الذهاب لمباريات الكرة وترفض الجلوس معه في خلوة ، ولا هم لها إلا زيارة المقابر وملاجئ الأيتام وفعل الخير .. العجيب أنها لا تنتبه إلى طباعه وإنما تعتقد أنه يختبر إيمانها ، وتخبره في يقين بأن إيمانها ليس أقلا من إيمانه وأن عليه أن يطمئن ( انظروا يامعشر المشاهدين إلى سلوك الإسلاميين في الخطوبة !! .. واقعية ماحصلتش ) .
تشعر فرح أن عمرو بحاجة إلى راحة فتنصحه بالاعتكاف ثلاثة أيام مع مجموعة من الإخوة .. ( كم يقاسي الإسلاميون حتى الآن من تصريح اعتكاف العشر الأواخر من رمضان .. لكن جات على دي ؟؟ ) ويذهب بالفعل مع مجموعة من الإخوة ( نسيت أن أخبركم أن الإخوة في الفيلم ونحن في 2007 لا يختلفون شيئا عن الإخوة في أفلام وحيد حامد أوائل التسعينات .. الوجه العابس واللحية الكثة النافرة والكلام المقتضب والنبرة المثيرة للضحك والسخرية ) .. وعند عودتهم يعتقلون على كمين !
بعد أسبوع من القلق تكتشف فرح - بالصدفة أيضا - أن عمرو لم يكن ” بيصلي ولا يعرف طريق جامع ” فتتخذ قرارها النهائي بالانفصال عن هذا الكاذب المخادع ( ولو كان قد تغير فعلا ) .. يحاول ” الأخ الحلواني ” أن يسعى بينهما في المعروف ، فيكلمها في عرض الطريق وعلى الملأ عن عمرو ، وكيف جعلها الله سببا في هدايته وأنه لا يحسن بها أن تتركه ، ويستمر الحوار بين الأخ الحلواني والأخت فرح في الشارع وأمام الناس ( إسلاميين متحررين .. الواقعية عايزة كده ) .
يعود عمرو إلى جلسات الأنس السابقة - لكنه قد تغير - وبدون مقدمات ، ومن خلال علاقة والد عمرو بعميد في أمن الدولة سنكتشف أن صاحب الملجأ الذي تتبرع له فرح هو من المتسترين بالدين ، وأنه سيورط فرح في استلام قنبلة لكي وتذهب بها إلى محطة رمسيس لكي تنفجر القنبلة في المحطة الساعة الثانية ظهرا .. هكذا بدون أسباب ولا دوافع ولا خلفيات .. مجرد عشق للدم لا أكثر .
ولأننا في فيلم عربي ، فإن الذي سيقوم بدور الإنقاذ سيكون البطل عمرو المنياوي .
تتأثر فرح كثيرا ، وتفقد الثقة في كل الإسلاميين ، تخلع الحجاب ، تبدأ في الرقص ، تخرج للأماكن المشبوهة - شارع شهاب مثلا - في حين بقت زميلتها غير المحجبة على رزانتها وعقلها وأدبها ، وتتعرف على زميلات أخريات متحررات أيضا .. في نفس ذلك الوقت يتحول عمرو إلى النقيض - في تطور سريع غير مبرر - فيذهب للمسجد ويلبس العمامة ويقصر الجلباب ويبدو كالباكستاني ويتعرف على أصدقاء المسجد في المقرأة .
يدون مبررات كذلك تتوافق الأسرتان على أن يعود عمرو وفرح إلى بعضهما ، وخلال الزيارة تكون صدمة فرح - المتحررة - في عمرو - المتشدد - ، وصدمة عمرو في فرح .. ويفترقان من جديد .
وبدون أسباب معروفة ، تعود فرح للحجاب .. ويقرر عمرو أن المظهر ليس مهما ، ويعودا إلى بعضهما في مباراة كأس الأمم الإفريقية بين مصر وكوتديفوار .. ثم مشهد لهما بعد الزواج وهما يصليان ، وآخر وهما يتبرعان لملجأ ( لا أدري مالذي يضمن ألا يكون صاحبه كالإرهابي الأول ، إلا إن أراد الفيلم أن يوحي بأن هذا الملجأ يتبع الحزب الوطني أو جمعية المستقبل ! ) .
لم يخل الفيلم من انتقادات لنظام الدولة :
1- مخبر أمن الدولة الذي يكتب تقريرا عن عمرو يصفه فيه بالقيادي الأصولي القديم لمجرد أنه سمعه يتكلم مع يوسف أبو منصور .
2- ضابط المباحث الذي لا يصدق أن عمرو وأصدقاءه بعيدون عن المظاهرة حتى وإن كان عمرو يحمل المخدرات ” من أجود الأنواع ” ، وحتى إن كان أحدهم مسيحي .
3- أمن الدولة الذي لا يهمه أن يكون الشباب بين الخمر والحشيش والليالي الحمراء ، لكنه يهتم بالمتدينين .
4- إمكانية أن يوجد لك ملف في أمن الدولة لمجرد أنك سرت في مظاهرة .
5- مشاهد خفيفة جدا عن الإيذاء الذي يلقاه المعتقلون داخل الزنازين .
كانت جرعات السذاجة واللاواقعية كثيرة إلى حد الفزع ، ولا يكاد مشهد يبتلعه المشاهد كتجاوز كوميدي حتى يصيبه مشهد آخر لا يقل سماجة ولا سذاجة عنه .. حتى صار الفيلم مجموعة من الصدف ومجموعة من الغرائب التى لا تحدث في مصر قطعا ، ولا بين صفوف الإسلاميين بوجه خاص .. في أي المظاهرات كانت القيادة لـ ” الأخوات ” ؟ وأي جماعة تلك التي قبلت أن تنتمي لها فتاة غير محجبة ؟ وأي إسلاميين هؤلاء الذين يكتشفون فجأة وجود قائد سري كبير ؟ وفي أي جماعة يمكن للأفراد أن يتخذوا قرارا بكشف سرية القائد الكبير فيرفعونه على الأعناق ؟
متى كان الطلاب الإسلاميون بمثل السذاجة والهبل الذي يدفعهم للانصياع لواحد ظنوا - مجرد ظن - أنه زعيم كبير ؟ حتى إلى الحد الذي يسألونه عن ” اختلاف المذاهب الإسلامية وتأثيرها في السلوك الـ…. ” ؟؟؟
متى كان ” الإخوة ” و ” الأخوات ” يتبادلون الزيارة في البيوت ، ويستطيع أحدهم أن يكلم أختا في أمر شديد الخصوصية في الشارع ؟؟
ومتى حدث أن تجمعوا ضربا على واحد من الناس لمجرد أنه قال ” أنا معجب بيكي يا أخت مريم ” ؟؟؟ ومتى حرم الإسلاميون الذهاب إلى مباريات الكرة ؟؟ و هل من الطبيعي أن تعتبر الفتاة الملتزمة المتشددة أن دعوات خطيبها بالخروج والخلوة والذهاب للمباريات هو ” اختبار للإيمان ” ؟؟ المدهش أننا سنجدهما فيما بعد - واثناء الخطبة - وحدهما .. فمالذي تغير ؟؟ هل انتهى اختبار الإيمان ؟؟؟
لا يهمني مطلقا أن يكون الفيلم قد انتقد بصراحة وبشكل مباشر نظام الدولة وأمن الدولة .. بل ولا كان سيثيرني إلى هذا الحد ظلمه وتجنيه على الإسلاميين ( اصل احنا متعودين على كده ) .. إنما المثير إلى درجة الاشمئزاز كل تلك التفاهات والبلاهات والمشاهد الخيالية التي كونت قصة الفيلم .. ولا أدري كيف لأحمد عيد - وقد ظننته يحترم نفسه ويحاول أن يقدم فكرا ويخرج عن تفاهات الأفلام الكوميدية الموجودة الآن - أن يكتب أو حتى أن يقبل فيلما بهذا الشكل .
لقد كانت صدمة قوية حقا .. لم أتوقع للحظة أن أرى الفيلم بهذا المستوى .
لايملك المرء إلا أن يستبشر بعد ظهور مجموعة أفلام سينمائية مصرية ، تعد أفلاما حقيقية وتناقش واقعا من صميم الشارع المصري ، وما هو أفعل في البشرى أن الشباب هم من يقودون هذا التحول .
وكما حدث منذ عشر سنوات تقريبا حين تمرد جيل شاب على أفلام اللحم العريان لـ ” معبودات الجماهير ” وعجائز السينما الذين أوقفوا حركة السينما عند مشاهد الفراش ، حين قاد جيل شاب هذا التحول نحو أفلام الكوميديا ( بالطبع ساعد في هذا التحول انتشار الانترنت والقنوات الفضائية والتي صارت أفلام العجائز مهما ظهر فيها من لحم غير قادرة على المنافسة لا كما ولا كيفا ) .. أقول حين قاد جيل هذا التحول ثم بدأ الانهيار والتفاهة حتى بلغت التفاهة ذروتها في أفلام محمد سعد الشهير بـ ( اللمبي ) .. ورغم أن أفلام سعد تحقق نجاحا جماهيريا واسعا إلا أنها تبدو في طريقها للانهيار ( ليس هذا مقام مناقشة الأسباب ) .
والمشكلة في مصر أن صناع السينما أطراف محدودة تستطيع عقلياتها – المحدودة كذلك – أن تتحكم في الأفلام التي تخرج للناس ، لكن لا مانع أن يظهر بين الحين والآخر منتج لديه فكرة أو لديه جرأة ليقدم المخالف لقواعد السوق .
وفي ظل هذا الوضع الذي يصبح فيه المؤلف المحترم – صاحب الفكرة والقيمة – تحت رحمة المنتج ، لا بد أن يجاري السوق ، وأن يصنع فيلما يحاول أن يلامس القضايا الحقيقية لكن في ظل إطار قصة تافهة تواكب متطلبات السوق ( هي في الحقيقة تواكب متطلبات منتج يظن أن السوق يسير في اتجاه معين ) .
وتعتبر الأفلام التي يكتبها بلال فضل في هذا الإطار ، والحقيقة أن بلال فضل لو لم يكن يكتب في الصحافة فكره المجرد والخالي من حسابات السوق والمنتجين ، لما عرف أحد أنه مثقف محترم شريف وحقيقي .. فالقصة العامة لكل أفلامه تقريبا قصة تافهة ، صحيح أنه في ثناياها يضع ما يريد أن يعبر عنه .. لكن تلك الثنايا هي من تضيع في خضم القصة التافهة النهائية .
المهم – ولهذا أكتب الآن – أن بعض الأفلام ظهرت تعد أفلاما حقيقية ، وقصتها تحمل العمق والواقعية ، قبل أن تحمل من المهارة والحبكة .
أولى ما وقعت عليّ عيناه هو فيلم ( سهر الليالي ) ، وأنا بطبيعتي لا أشاهد إلا الأفلام التي أحسب أنها مهمة أو التي تفجر مفاجأة أو التى تخالف قوانين السوق وتنجح ، أي الأفلام التي أحسب أنها تشذ عن التفاهة السائدة ( وهذا توضيح أولا ثم دفاع عن نفسي أمام القراء من الإسلاميين الذين يستنكرون لكاتب ملتزم مشاهدة السينما ) .
وفيلم سهر الليالي ألفه ( تامر حبيب ) ، وهو عرض في وقت كنت مشغولا فيه بامتحانات الكلية ، فلم أهتم به ، ولم اقرأ نقدا عنه إلى أن رأيته قدرا ( صدفة ) على قناة فضائية فوجدت نفسي أمام قصة رائعة بكل المقاييس ، وأمام سيناريو وإخراج محترف ( ولست إلا مشاهد متذوق ) ، واندهشت فعلا أن فيلما كهذا لم أسمع به ، ولم أقرأ عنه .. فلما بحثت فيما كان تراكم لدي من صحف وعلى مواقع الانترنت .. عرفت أنه اثار ضجة نقدية ، وكاد أن يكون محل إجماع على أنه فيلم قوي وحقيقي – على اختلافات ونقد بسيط - .. وعرفت ضمن ما عرفت أن هذا الفيلم بقي في الأدراج سنينا يبحث عمن يتحمس له ، إلى أن وجد ذلك الذي واتته الجرأة فتحمس له وعرضه .
قيمة الفيلم الحقيقية برأيي أنه فيلم يناقش قصة حقيقية واقعية ، وبالتالي فهو قد خرج عن تيار التفاهة والكوميديا التافهة .. ورغم أنه يناقش مشاكل طبقة عليا تكاد تكون محدودة ، ورغم أنه ناقش أربعة مشاكل ثلاثة منها تتعلق بالجنس والخيانة ، ورغم أن النهاية بدت وكأن جميع المشكلات انتهت لكن نظرة نصف عميقة تدرك أن مشكلتين مازلتا لم تحلان بعد – على الأقل بشكل مقنع - .. إلا أن القصة كانت حقا مبهرة .
منذ ذلك الحين أحاول أن أتحسس أخبار أفلام ( تامر حبيب ) حتى عرض فيلمه الثاني ( عن العشق والهوى ) ، إلا أنه كان أقل كثيرا من ( سهر الليالي ) .
ثم بدأت تتوالى الأفلام التي تخرج من نطاق الكوميديا التافهة ، فمنها الذى اتجه نحو أفلام الإثارة .. وظهرت أعمال جيدة مثل ( ملاكى اسكندرية ) و ( الرهينة ) .. وأعمال أخرى رديئة لا داعي لذكر اسمها .
ثم ظهر الفيلم الرائع ( ليلة سقوط بغداد ) وهو الثاني – حسب علمب - من تأليف وإخراج ( محمد أمين ) ، وكان الأول له هو فيلم ( فيلم ثقافي ) .
وإذا تجاوزنا ” هوس ” محمد أمين بالإسقاطات الجنسية الكثيرة ، فإن أفلامه – في النهاية – أفلاما تعبر عن واقع موجود أو متوقع .. فهو يناقش في ( فيلم ثقافي ) أحوال الشباب المصري العاطل الفقير الذي لا يمكنه أن يتزوج في المدى المنظور ، لكنه تحت ضغط شبابه يتجه نحو إدمان الأفلام الجنسية .. أما في رائعته حقا ( ليلة سقوط بغداد ) فقد ناقش السؤال الطبيعي والبديهي والمنطقي والذي تحاول كل الدولة ألا يكون مطروحا على الأذهان ، وهو : ولماذا لن يحدث فينا في مصر مثل الذي حدث في العراق .. وهل لو حدث لدينا ما يمكن أن ندافع عن أنفسنا به ؟
ويستمر الفيلم من خلال كوميديا سوداء في تقديم الواقع المر والحل الطبيعي في حتمية أن نمتلك ولو سلاح ردع لمجرد الدفاع عن أنفسنا .. لكن حتى هذا الحل فضلا عن أنه غير مطروح للتفكير ، فاهتمامات المسئولين في واد آخر .
ثم ظهر الفيلم القنبلة والذي يستحق حقا أن يكتب عنه الكثير والكثير .. وهو فيلم ( أوقات فراغ ) .
وفيلم ( أوقات فراغ ) استطاع أن يحطم تقريبا كل قواعد السوق :
- فهو بطولة جماعية .
- جميع أبطاله يظهرون للمرة الأولى تقريبا .
- جميعهم شباب في نفس السن التي يمثلونها .
- القصة والسيناريو أيضا لشابين أرى اسمهما لأول مرة .
- وكذلك الإخراج .
إنه فيلم بدأ بالخبرة صفر .. لكنه الفيلم الذي ناقش واقع الشباب في مصر بكل حرفية ومهارة ودون ضغط على جانب الجنس ، ودون إغفال لجانب الدين ، وختم قصته بصرخة للرئيس .. لو كان يفهم .
وربما شاهدت هذا الفيلم خمس مرات أو ست مرات ، ولم أمل ولا أحسبني سأمل في وقت قريب .. فهو واقعي حتى النخاع ، يبحث عن الحل ، يصف حيرة الشباب بين وضع فاسد وانحلال أخلاقي رهيب ، يجرهم بطبيعته إلى هذا المنحدر ، فإذا أرادوا الجدية فإن أوضاع الجامعات ( التي ينجح فيها الطالب بالواسطة ) لا تسمح ، فإذا خرجوا لسوق العمل وجدوا أنهم غير مؤهلين ، حتى إذا تعرضوا لحادث رهيب يجعلهم يقتربون من الله ويحاولون الالتزام يسحبهم الفراغ الذي لا يستثمر طاقاتهم حتى يعيدهم مرة أخرى لمستنقع الفساد .
وهو في ثنايا عرض المشكلة يتعرض لمشاكل انعدام الحوار بين الاباء والأبناء في البيت ، ومشاكل المحسوبيات في أقسام الشرطة ، فتلفق التهمة لبرئ ، لكن مدمن المخدرات يخرج معززا مكرما بل ويعتذر إليه لأنه ابن لواء في الشرطة .
الملفت للنظر حقا ، أنه وبرغم أن صناع الفيلم بدون خبرة .. إلا أن مستوى القصة والسيناريو والتمثيل والإخراج يوصف بلا تردد بالاحتراف ، أو ربما لأن جميع صناع الفيلم كانوا يمثلون ويحكون واقعهم هم فلم يكونوا يحتاجون لتمثيل أو افتعال .
الأهم من كل ما سبق أنه لا يوجد تيار آخر يمكنه أن يؤثر على تيار الأفلام الجيدة هذا .. باستثناء عودة محمد خان – وهي عودة تطرح تساؤلات - بكل ما يحمله من بقايا الفكر اليساري المنقرض ، والذي سيتلاشى حتما لو لم تهب جهة ما لدعمه وإنقاذه وطرحه كنجم على غرار ما تم مع فيلم عمارة يعقوبيان وعلاء الأسواني .
كانت هذه مجرد دفقـــة .. لكنها طالت .
Recent Comments